1984


dsc_1377

إننا نبدد فكره ونجعله ‏واحدًا منا قبل أن نقتله, إننا نجري للدماغ غسيلا شاملاً قبل أن ‏نعصف به, نحن نختلف عن طغاة الماضي الذين يقولون: ‏ يجب ‏أن لا تفعل ذلك وعن الاستبداديين الذين يقولون: ‏يجب أن تفعل ‏ذلك نحن نقول: كن..‏

كتبت الرواية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية 1948 تخيل فيها جورج أورويل العالم بعد مرور ثلاثين سنة تحت حكم واستبداد الحزب الشمولي بقيادة “الأخ الأكبر” الذي صار بمنزلة الإله المخلص المحبوب والكائن الأسطوري الذي تنسب إليه كل الإنجازات والمعجزات بأختصار الشخصية المعبودة

تصور الرواية كيف يمكن للديكتاتورية مسخ الإنسان ونزع تفرده وتميزه بجعله يعيش في خوف دائم من شرطة الفكر ومن شاشة الرصد فـ “عيون الأخ الأكبر دائماً تراقبك” وبغسيل دماغه وبالتلقين الممنهج الذي يصل به إلى العبودية من غير أن يدرك وربما ليس بعدم الأدراك بل بالأيمان بأن عبادة الأخ الأكبر هي الطريق الصحيح والأوحد

ينقسم الناس في هذه الرواية أو المجتمع إلى ثلاث طبقات.. النخبة فئة صغيرة تتكون من الحزب الداخلي وهي الفئة المسيطرة على السلطة ولها كل الحقوق والأمتيازات, والطبقة المتوسطة الحزب الخارجي يعملون لصلح السلطة, والطبقة الدنيا (البروليتاريا) وتشكل النسبة الأكبر وهم عامة الشعب طبقة غير متعلمة ولا قيمة لها كادحة في سبيل لقمة العيش.

وتنقسم وزارات الدولة إلى (وزارة السلام = وزارة الحرب والدفاع) (وزارة الوفرة = وزارة الأقتصاد) (وزارة الحقيقة = وزارة الأعلام) (وزارة الحب = وزارة الأستخبارات)
وكما يتضح من أسماء الوزارات فهي تعكس التفيكر الأزدواجي المرعب الذي يتبعه الحزب فمثلاً وزارة الحقيقة بعكس مسماها فهي متخصصة في تزوير التاريخ وتغييره وتدمير الوثائق بل والأكثر رعباً في طمس أي إثبات لوجود الأشخاص عندما يشاء الحزب وكأنهم لم يكن لهم وجود في يوم ما.

وينستون سميث بطل الرواية يعمل في وزارة الحقيقة والتي في حقيقتها كما قلت سابقاً وزارة الكذب والخداع وتزيف التاريخ والحاضر.. عمله يتلخص في إعادة كتابة المقالات القديمة لتتناسب مع الواقع الذي تريده السلطة بتصحيح الأخطاء المزعومة فيها ثم إتلاف القديم من الوثائق لكي لا يبقى أثر للماضي مما يجعل كل ما يقوله الحزب يبدو كحقيقة وواقع صحيح
بإمكان من يسيطر على الماضي أن يمتلك المستقبل و من يتحكم بالحاضر أن يسيطر على الماضي

dsc_1383

بالرغم من ونيستون يدرك ما يفعله إلا أنها تقع بين يديه وثيقة تدفعه للبحث عن الحقيقة وإعادة التفكير ولتدفعه إلى ثورة ومغامرة سرية تخالف سياسة الحزب وبدايتها بممارسة المحرم تدوين تساؤلاته والتوثيق عبر مذكرته والتي أشتراها من قبل سراً فربما سيأتي زمن وجيل حر تصل إليه وثائقه
إلى المستقبل أو الماضي، إلى الزمن الذي يكون الفكر فيه حرا طليقاً

وتبدأ ملامح الاستبداد بما ينقله لنا ونراه عبر عيني ونيستون فالجو العام الكئيب الذي يُظهر تردي المعيشة.. شقق قديمة متهالكة, طعام صناعي متمثل في شراب النصر كريه الطعم والخبز الأسود واللحم المعلب بينما تتمتع النخبة بملذات الحياة.. وليس في الحالة المعيشة فقط فشاشة الرصد في كل مكان تعد لك أنفاسك ونبضاتك, حركاتك وسكناتك حتى في منامك فربما حركة لا إرادية تخفي فكراً مخالفاً في أعماقك.. وملصقات الأخ الأكبر تنتشر في كل زاوية تذكرك “عيون الأخ الأكبر دائماً تراقبك

ولا تعتقد أن شاشة الرصد وحدها تتبعك فحتى جيرانك وأطفالهم وأطفالك قد يكونون عيون تترصدك فالأطفال يشجَعون على الإنضمام لكتائب الشباب ويغرس فيهم الولاء للحزب ويدربون على مهارات التجسس.. وحتى العلاقة بين الزوجين نزعت منها المشاعر والحب والمودة فالزواج من أجل تأدية واجب نحو الحزب وإنجاب أطفال لخدمته فيما بعد.. والحزب يحطم العلاقات الأسرية ليبقى الولاء المطلق للحزب فقط..

dsc_1384

المرء لا يقيم حكما استبداديا لحماية الثورة وإنما يشعل الثورة لاقامة حكم استبدادي

يقوم الحزب أيضاً عبر وزارة الحقيقة بتعميم الجهل بتدمير اللغة وتفكيكها وأستبدالها بالتدريج فاللغة حضارة وهوية وفكر يدعو إلى التفكير والوعي الذي قد يزعزع الولاء
إننا نقوم بتدمير الكلمات..عشرات بل مئات الكلمات.. كل يوم ‏‏يجري تدميرها.. إننا نسلخ اللغة حتى العظام
فالولاء يعني انعدام التفكير، بل عدم الحاجة للتفكير، الولاء هو عدم الوعي

إن جريمة الفكر لا تفضي إلى الموت، إنما هي الموت نفسه

dsc_1387
dsc_1389

ومن كل هذا يتضح أن السلطة غير مهتمة بأي شيء لا بالدولة ولا بالأنسان بل مهتمة بالسلطة لذاتها.
ستالين على غلافة الرواية مما يوحي أن كل هذا لم يكن مجرد خيال بل يمكن أن يكون واقعاً فمن يطلع على تاريخ ستالين سيجد الكثير مما يشبه الرواية

dsc_1386

 واحدة من الروايات التي لا يمكن أن تخرج منها كما كنت من قبل.. رواية تهزك أكثر من مما يفعل أي كتاب يتحدث عن الأستبداد.. وأخيراً أفضل وصف للرواية ما جاء في غلافها الخلفي إنها رواية تُقرأ ثم تُقرأ من جديد

 tumblr_o5jtucmc7l1qixuo1o1_500

أقتبس عن الرواية عدد من الأفلام.. لكنني أكتفيت بمشاهدة نسخة عام 1984.. ربما لم يصل إلى مستوى الرواية وهذا ما يحدث غالباً من الأفلام المقتبسة في رأيي لكنه بشكل عام كان جيد في تصوير الوضع المعيشي المظلم والبائس الذي يعيشه الأنسان تحت ظل الديكتاتورية.. جون هيرت بدور ويسترن سميث البطل الأساسي في القصة كان جيداً أيضاً في أداء دوره..

الحرب هي السلام
الحرية هي العبودية
الجهل هو القوة
2+2=5

اللوحات الفنية 1,2 لـ Jonathan Burton  
اللوحة الفنية 3 لـ Guillaume Morellec

Save

Save

Save

Advertisements

فكرة واحدة على ”1984

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s