القوقعة.. رواية في أدب السجون


24439323

هل يأمل شخص مثلي .. منسيّ, مهمل, لا يعرف حتى لماذا هو هنا.. أن يخرج من هذا الجحيم؟ هل الطريق إلى هذا السجن ذو اتجاه واحد فقط؟ هل العبارة التي يكررها السجناء وأكاد أسمعها يومياً بأن “الداخل مفقود والخارج مولود” صحيحة؟ لم أر أي شخص دخل هذا السجن ويخرج منه!

ليست الرواية الأولى لي في أدب السجون لكن ربما الأكثر قسوة وسوداوية والأكثر وقعاً على النفس تكشف لنا الرواية أن لا حدود للوحشية البشرية
يعود مصطفى خليفة من فرنسا بعد إنهاء دراسته للإخراج السينمائي إلى الوطن مشتاقاً يحمل حلم الشباب “سوزان.. أنا أحب بلدي, مدينتي. أحب شوارعها وزواياها. هذه ليست رومانسية فارغة, إنه شعور أصيل, أحفظ العبارات المحفورة على جدران البيوت القديمة في حينا, أعشقها, أحن إليها. هذا أولاً, أما ثانياً فهو أنني أريد أن أكون مخرجاً متميزاً, في رأسي الكثير من المشاريع والخطط, إن طموحي كبير, في فرنسا سوف أبقى غريباً, أعمل كأي لاجيء عندهم, يتفضلون علي ببعض الفتات.. لا.. لا أريد. في بلدي أنا صاحب حق.. وليس لأحد ميزة التفضل عليّ, بقليل من الجهد أستطيع أن أثبت وجودي, هذا إذا نحّينا جابنا حاجة الوطن لي ولأمثالي” وبعد أن تحط الطائرة بدلاً من أن تستقبله أحضان الأهل يجد نفسه في أحضان مبنى الأستخبارات ولا يعرف لهذا سبباً%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%82%d8%b9%d8%a9-8يتعرض للتعذيب ويطالب بالإعتراف.. يتسأل عن أي شيء يعترف.. كان بخطأ إداري أدخل إلى السجن على أنه منتمي لحزب الإخوان, يطلِب أن يوضح ويدافع عن نفسه لكن لا مستمع, يصرخ أنا مسيحي أنا ملحد وما ظن أنه مخلص له كان وبالاً أكثر عليه فلا عدل هنا

%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%82%d8%b9%d8%a9

وفوق ظلم السجن والسجان يتعرض مصطفى للمقاطعة من السجناء من حوله بعد أن أعلن إلحاده ومسيحيته فماذا يفعل بين سجناء غالبيتهم تنتمي للمعارضة وحزب الإخوان فلا يمكن أن يكون برأيهم إلا جاسوس للنظام والشرطة%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%82%d8%b9%d8%a94

و”كسلحفاة أحست بالخطر وانسحبت داخل قوقعتها, أجلس داخل قوقعتي… أتلصص, أراقب, أسجل, وأنتظر فرجاً

لم يكتفي المؤلف بنقل وضعه كمعتقل فقط فقد أعطانا صورة عامة وشاملة عن وضع سجن تدمُر البشع وسيء السمعة وعن أبشع صور الظلم اليومية فيه.. خروج يومي للإستحمام تحت الضرب والكرابيج, الفسحة الإسبوعية بدل من أن تكون رياضة وتجديد هواء تصبح إذلال وإهانة للكرامة, ومشانق تنصب مرتين في الأسبوع يروح ضحيتها العشرات بعد محاكمة صورية, أطفال تسرق أعمارهم وطفولتهم في السجون.. وهذا مقدم يتعرض للتهديد بالقتل إن لم يحسن معاملة السجناء فيرد بقتل 14 سجيناً ويسرب الخبر ليصل للمهددين أن لا قيمة للأنسان هنا..

%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%82%d8%b9%d8%a95

أبو حسين رجل سبعيني وثلاثة من أبناءه سجناء (سعد وسعيد وأسعد) يتعرضون إلى أمتحان صعب يعرض الضابط أن تبقى حياة واحدة يختارها الأب ويعدم الثلاثة الباقين منهم, يختار الأب أصغر أبناءه أسعد ليبقى يوافق الضابط.. بعد أيام يفجع الأب بأسماء أبناءه الثلاثة في قائمة المحاكمة والتي تعني الإعدام.. لا أكثر ألم من أن يذهب أبناءك في عز شبابهم وأنت الرجل السبعيني تبقى.. هذه واحدة من أكثر من الحوادث التي هزت المهجع ببكاء الرجال جميعاً إلى جانب بكاء الأب المفجوع وأبناءه والحادثة الوحيدة التي وحدت المهجة في مجابهة الخوف وإعلان الصلاة.. ومن أكثر القصص ألم وإظهار لخبث الضباط وخيانتهم..%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%82%d8%b9%d8%a9-9

وفي زحمة كل هذا الحزن والألم نقل لنا بعض صور التضحية والفداء والشجاعة والحلول التي أتبعها وأبتدعها السجناء.. فهولاء أطباء بينهم تطوعوا للعناية بهم وعرضوا أنفسهم للخطر بجراءتهم لطلب الدواء حيناً من سجاناً مرعب ظالم وبمساعدة السجناء الأخرين في مهاجع أخرى حيناً أخر, وهؤلاء فدائيون وجدوا في أنفسهم قوة أكثر من غيرهم فتبرعوا بتلقي التعذيب بالنيابة عن الضعفاء حتى مصطفى المكروه والمنبوذ من قبلهم أخذوا عذاب الجلد بالنيابة عنه.

وأنت تقرأ تتسأل كيف يستطيع إنسان عاقل أن يفعل كل هذا بإنسان أخر مثله والأشد ألماً ورعباً كيف لتلك الوحشية أن تكون تسلية واستمتاع دون أن يشعر الجلاد ولو بوخزة صغيرة للضمير؟!.. يذكر الكاتب أن المجندين الجدد عندما يأتون في البداية يترددون يخافون يسقطون يصابون بالغثيان لكن سرعان ما يعتادون على ذلك ثم تعلوا على ملامحهم الصبغة التي تكون على سابقيهم

{قرأت في مكان ما أن رجال إحدى القبائل الإفريقية عندما التقوا بالإنسان الأوروبي الأبيض لأول مرة نظروا إلى بعضهم البعض بدهشة, وتساءلوا: هذا الرجل, لماذا قام بسلخ وجهه؟!} وتخيلت أن عناصر الشرطة العسكرية, هؤلاء الذين أراهم امامي, ذوو وجوه مسلوخة, أيه قوة سلخت هذه الوجوه؟.. كيف سلخت؟.. لماذا؟.. أين؟ لست أدري لكن ما أراه أن الوجوه الديلة لا تشبه وجوه باقي البشر, وجوه أهلنا وأصدقائنا!!.. مسحة غير بشرية.. هي غير مرئية, صحيح, ولكنها قطعاً موجودة!.

الرواية ليست صورة للوحشية فقط.. بل صورة لهدم الإنسان وتدميره حتى بعد أن يخرج من السجن ويعتقد أن الأغلال تحطمت يجد الإنسان نفسه في سجن أكبر بنفس وروح منكسرة محطمة لا تستطيع العودة ولا التفاعل مع الحياة من جديد.. يصبح الشخص روح ميتة في جسد 💔

%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%82%d8%b9%d8%a9-6%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%82%d8%b9%d8%a9-7

%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%82%d8%b9%d8%a9-3

وعن الرواية في برنامج خارج النص

*ربما الشخصية في الرواية هي لمصطفى خليفة أو لشخصية خيالية لكن المؤكد أن الرواية جاءت من تجربة الكاتب للسجن فقد أعتقل ل15 عاماً

لافتات صغيرة وذات أثر

  • طوال ثلاثة عشرة عاما, لم أسمع مرة قرقعة المفتاح في الباب الحديدي إلا وأحسست أن قلبي يكاد ينخلع!! لم أستطع الاعتياد عليها
  • أمام السجن.. تصدم العين لوحة حجرية فوق الباب مخططة بالأسود النافر: “ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب”.
  • إي كائن أنا؟! هل أنا إنسان؟! حيوان؟! شيء؟!
  • فأر كتب, فأر سينما, الآن.. أحس أنني بغل.
  • هل يمكن أن يكون الموت هدية؟

💔

Save

Save

Save

Save

Save

Save

Advertisements

فكرة واحدة على ”القوقعة.. رواية في أدب السجون

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s