مذلون مهانون


 dsc_1267

كانت تتلذذ بهذا الألم, كانت تتلذذ بأنانية العذاب هذه, إن صح التعبير. إنني أفهم هذه الحاجة الى إذكاء العذاب وهذه اللذة: إن هذا شأن الكثير من المذلين المهانين الذين اضطهدهم القدر ووعوا ما احاق بهم من ظلم.

في مقدمة الكتاب يقول دوستويفسكي “أنا أعلم حق العلم أن في كتابي هذا دمى كثيرة ليست كائنات إنسانية” و “لم أدرك هذا طبعاً حين كنت في حمى العمل السريع ولم أكد أشعر به” ويردد قول النقاد بأن الرواية بعيدة عن الواقع ومفككة بعض التفكك ويعتذر بأنه كتبها في ظروف خاصة فرضت عليه أن يسرع في الكتابة

وإني لأتعجب بعدما أنهيتها أين هذا التفكك 😯؟! وأنا أجد كل جزء يشدني لما بعده! وأين هي تلك الدمى 😶؟! والتي أستطاعت أن تجعلني أتلبسها وأعيش شعورها بل وأبكي معها أحياناً!.. لا أجد في هذا الاستسلام للنقد إلا تواضع الكبار حينما يدركون أن بإمكانهم تقديم ما هو أفضل من ذلك.. ربما لا يعيب الرواية إلا الحشو والذي ربما يصيب البعض بالملل لا أكثر من ذلك.

قد لا تتميز الرواية بأحداثها لكنها تتميز بشخصياتها والتي لبست كلها منها شعوراً إنسانياً نعرفه نشعر به ونحسه “الحقيقة هي أن مجانين دوستويفسكي ليسوا مجانين إلى الحد الذي نتوهمه من أول وهلة. كل ما هنالك أنهم ما لا  نجرؤ أن نكونه. إنهم يعملون ويقولون ما لا نجرؤ على قوله. إنهم يُظهِرون إلى النور ما نكبته نحن في ظلمات اللاشعور. إنهم نحن

تبدأ الرواية بفانيا (ايفان بتروفتش) الأديب الصغير وبلمحة صغيرة عن حياته وبلقاءاته بالعجوز الصامت جرمي سميث وكلبه العجوز آزور في أحد مقاهى بطرسبرغ.. وبعد سلسلة لقاءات يموت الكلب بهدوء في المقهى بين قدمي صاحبه ليخرج العجوز حزيناً صامتاً ويتبعه فانيا ليواسيه ويساعده في الوصول إلى بيته وفجأة يمسك العجوز بيد فانيا ويعلن: “أني أختنق, أختنق” وبصوت متحشرج: “فاسيلي أوستروف, الشارع السادس… الشارع السادس” ويصمت للأبد ولتقوده هذه الكلمات لمتاعب حتى يصل إلى عنوان بيت العجوز الخاوي.. ليقوده هذا المسكن للقاء نيللي حفيدة العجوز سميث ولتدخل هذه الفتاة البائسة إلى حياة فانيا.

نيللي من أكثر الشخصيات الملفتة في الرواية صبية تمثل صورة للفقر للشقاء والبؤس التي يصل لها الأنسان بسبب جشع وأنانية غيره من أصحاب القوة والمال وصورة لما يصل إلى الضعيف من بؤس بسبب كرامة النفس وعزتها.. ونيللي من أكثر الشخصيات المؤثرة في الرواية بجانب جدها سميث والتي تدعو إلى الرثاء لما وصلت إليه حالتها من بؤس أفقدها طفولتها وثقتها بالناس 💔 “كوني فقيرة وأطلبي الصدقات لكن لا تذهبي إليهم” هذه كانت وصية أمها التي ذاقت البؤس نفسه.

الناس الطيبون لا ينتظرون أن يحسن أحد إليهم حتى يحسنوا إليه، إنهم يحبون من تلقاء أنفسهم خدمة من هم في حاجة إلى هذه الخدمة. إن هناك أناسًا طيبين كثيرين. إنما المصيبة أنك لم تلتقي هؤلاء الناس حين كان يجب أن تلقيهم

أما ناتاشا والتي تمثل الحب وهو أحد المحاور الرئيسية للرواية فما هي إلا شخصية تدعو للشفقة بسبب وقعها في حب بائس مع ابن الأمير أليوشا ذو الشخصية الطفولية والطائشة والذي تتسأل ماذا وجدت فيه لتحبه وكيف لشخص مثله أن يحب

كنت أشعر أنه لن يأتيني بغير العذاب, نعم كنت أشعر بذلك, ولكن ما عساني أفعل؟ والعذاب الذي يسببه لي هو عينه السعادة

نيكولاي أخمنيف وآنا آندريفنا الوالدان اللذان يتعرضا للهجر من ابنتهما ناتاشا لتلحق بابن الأمير الذي احتال عليهم وسرق منهم الأرض والمال.. أخمنيف وآنا صورة للحب والقسوة الأبوية في آن واحد.. رغم قسوة الأب تجاه ناتاشا والذي أختار لعنها وطردها من رحمته الأبوية إلا أنني أتعطف معه على العكس من ابنته, وبالرغم من قسوته وقراره أخراج ناتاشا من حياته إلى الأبد إلا أن قد ظهرت له صور مؤثرة تصرخ إنني في النهاية أب وهذا المشهد كان الأكثر تأثيراً

dsc_1295

dsc_1294

😢💔

الشرفاء يسهل خداعهم، حتى إذا اكتشفوا أنهم خُدعوا، اعتصموا بنوع من الاحتقار المتكبر، بدلاً من أن يلجأوا إلى القانون، إذا كان ذلك فى الإمكان.”

الأمير فالكوفسكي أيقونة الجشع والأنانية والفساد شخص لم يتورع حتى عن أستغلال ابنه لمصلحته فقط. شخصية تثير الأشمئزاز فلم يخشى أن يظهر جانبه القبيح بل كان كمن يتعرى بلا خجل كما فعل في حديثه مع فانيا

اسمع يا شاعري. أريد أن أكشف لك سراً من أسرار طبيعتي التي يظهر أنك تجهلها جهلاً تاماً. أنا واثق من أنك تعدّني رجلاً فاسقاً, بل لعلك تعدّني رجلاً وغداً, شيطان من شياطين الفساد والرذيلة. ولكنني سأقول لك شيئاً! لو أمكن أن يتوصل كل منا إلى الكشف عن أفكاره, إلى الكشف عن جميع هذه الأفكار دون أن يخشى أن يطّلع الناس لا على ما لا يجرؤ أن يقوله لأحد, ولا على ما لا يجرؤ أن يقوله لأعز أصدقائه فحسب, بل أيضاً على ما يخشى أن يعترف به أحياناً لنفسه, لخرجت من الأرض عفونة تبلغ من النتانة أن تخنقناً جميعاً…… وأوجز فأقول: إنك تتهمني بالرذيلة والفساد والفسق والخروج على الأخلاق, مع أني في واقع الأمر قد لا يكون لي من ذنب إلا أنني أصدق من الآخرين. هذا كل شيء, فأنا أعترف بأمور يخفيها الآخرون حتى عن أنفسهم, هذا يسيء إليَّ, ولكنه يطيب لي

-فانيا, فانيا كان هذه كله حلماً, أليس كذلك؟
_مالذي كان حلماً؟
وقرأت في عينيها:
"كان يمكن أن نسعد معاً إلى الأبد".

فانيا الشخصية الرئيسية رمز التضحية والأخلاص هو الشاهد وهو الراوي والرواية.. لكم أحببته وأسرتني شخصيته قرأت تعليق قديم في شبكة الأقلاع لقارئة عنه هو شخص تشد إليه الرحال وهو كذلك لا أجد ما أقول عنه أكثر من ذلك heartpump

لا يمكنني تجاوز إضافة هذا المشهد فقد كان من أكثر المواقف المؤثرة في الرواية وصل بي إلى حد البكاء *حرق

dsc_1331 dsc_1332 dsc_1333

💔❤️

مذلون مهانون كانت أول رواية أشتريتها لدوستويفسكي إذا شدني العنوان ولكنها لم تكن أول قراءاتي له إذ بقيت طويلاً على الرف, لكنني سعيدة إذا لم تأتي بعد أشهر رواياته (الأخوة كارامازوف والجريمة والعقاب *لم أطلع عليها بعد) لأني وجدت الكثير وقع في شباك المقارنة ففقد متعة وجماليات هذه الرواية.. وصفت الرواية في مقدمة الكتاب بأنها كانت جسراً ما بين أعمال الشباب وبين أعمال ما بعد سن النضج فإذا أنا أغرمت بها فكلي شوق لما سيأتي بعدها.. أيضاً لم تكن قرأتي الأولى لدوستويفسكي وبالطبع لن تكون الأخيرة ففي كل مرة أقع في غرام ما كتب أكثر heartpump

وأخيراً رواية عن الظلم والأنانية عن التضحية والحب عن الصفح والغفران.

*قد لا تجد رابط بين الأقتباسات وما بعدها أو قبلها في التدوينة لكن لو قرأت الرواية فستجد تلك الروابط rolleyes.gif

Save

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s